قراءة في رواية تمورت ن الفاون

Tamurt n ilfawn

للكاتب محمد أكوناض

بقلم محمد أيت بود

تعتبر رواية "تامورت ن ئلفاون" الروايةالثالثة في مسار الأستاذ محمد أكوناض، المبدع الرائد في صنف الروايةالأمازيغيةبلا منازع، ذلك المسار الذي نعرفجميعا أنه لم يكن أبدا مفروشا بالورود، بل هو مسار شاق ومضن في سياقالتحولات الكبرى التي تعرفها القضية الأمازيغية، في علاقتها الجدليةبالمجالات المرتبطة بها، وبالأخص ماله علاقة بالتحول نحو ترسيخ تقاليدالكتابة في مجتمع كان الى الأمس القريب مجتمعا يغوص في أعماق التراث الشفهي، وكذا بالتحولات السوسيولوجية للمجتمع المغربي بصفة عامة ،الآخذ فيالتحول من مجتمع قبلي زراعي، الى مجتمع مدني صناعي ،في هذا السياق ، جاءتالرواية التي بين أيدينا ، زاخرة بالمعاني والثيمات المصاحبة لهذه التحولاتالقيمية ، ناضحة بالتمثلات المرافقة لفكرة التحول في حد ذاتها من حيثكونها ، تعني الانتقال من وضع معين الى وضع آخر ،  هذا التحول العنيف الذييشهده المجتمع المغربي عامة والأمازيغي خاصة ، المتأثر بعدة عوامل ، منهاما هو داخلي ومنها ما هو خارجي ،لا شك سيخلف وراءه آثارا عميقه ، وخدوداغائرة ، من حيث سعيه الى اجتثاث الانسية المغربية من عمقها التاريخيوالأنثروبولوجي ، وزرعها في تربة الحداثة الفكرية والسوسيولوجية ،في هذاالسياق المتلاطم ، وغير المستقر ، أهدانا الكاتب ، جوهرة ثالثة من جواهرعقده الذهبي ،ذلك العقد المزدان بحرقة التساؤل ، وقشعريرة التمثل ،والفائرببركان التأمل والتجريد العميق ، المرافق للطقس الصوفي المشبع بالاستيهامالمستوحش ، والمخترق للفضاءات والأزمنة المحرمة كهنوتيا ، والملامس لحراشيفالطابوهات المتجذرة في أعماق الانسية المغربية والأمازيغية ، انها الروايةالتي تنتشي بكأس الانتصار ، ... أعني الانتصار لكل القضايا السالفة ، فيهاركب الكاتب صهوة التعبير الأدبي الشيق ، بلغة أمازيغية صوفية ورشيقة ،تنهلمن المعجم الأمازيغي الرابض في تكلسات الألسن الشفهية للتنويعات اللهجيةفي مختلف مناطق المغرب ولم لا لعموم تمازغا أيضا ، معجم يمتح من المرادفاتالأصيلة ، كما ينهل من المرادفات المستحدثة ،في محاولة من الكاتب ، وقد وفقبنجاح منقطع النظير في كتابة نص أدبي شيق ، يجمع بين خاصيات النص الأدبيوخاصيات الكتاب الفلسفي ، الذي يحمل بين طياته الكثير والكثير من الأسئلةالحارقة والمحيرة ، فشكرا مرة أخرى لأستاذنا على هذه الجوهرة اللامعة ،والتي لاشك في كونها سوف تضيئ عتمة اللغة والثقافة الأمازيغيتين في تضاريسالمسار الشاق والصعب الذي تسلكانه برفقة  المبدع والمغامر بامتياز ،الكامنفي أعماق محمد أكوناض .تانميرت أطاس .

مقاربة النص الروائي:

لاشكأن مقاربة عالم الرواية  التي بين أيدينا من الناحية المنهجية يعد أمراليس بالهين ، بالنظر الى ثرائها الموضوعاتي ، وتعدد مكوناتها وأنساقها وكذامستوياتها النصية ، لهذا أجد من الصعوبة بمكان الاحاطة بكل عوالم  هذهالرواية وأسرارها من خلال زاوية نظر معينة ، وهذا الأمريطرح اشكالية تعددمستويات قراءة النص الروائي بصفة عامة ، وبما أن القراءة يجب أن تنطلق منمنهج نقدي يعتمد على مفاهيم و أدوات في التعامل مع هذا النص أو ذاك ، فانالمناهج النقدية تتعدد بدورها بتعدد زوايا النظر التي ينطلق منها الناقد ،لذلك ارتأيت أن أقوم بعملية قراءة للنص الذي بين يدي باعتماد الياتتحليلية  أو بالاعتماد على آليات القراءة التحليلية   والتركيبية في نفسالآن ، والتي تعتمد على المراحل أو المكونات الآتية :

 

مكونات النص، الرهان دلالات وأبعاد الحدث:

يتكونالنص الذي بين أيدينا من مكونات متعددة ، لغوية ، شخصيات ، أسماء الأماكن ،فضاءات واقعية وأخرى متخيلة ، أنساق سلطوية ...الخ ، رهان السارد في ذلكمحاولة نقل صورة محايته ومحاكية للواقع ، الى حد ما لمجتمع يعج بالتناقضات ،هو قيد التحول ، فضمن الفصل الأول يستعرض الكاتب  بطل الرواية الذي هو " بيهي ن وايشون " وبيهي  اسم علم شخص محرف من الأصل الذي هو ابراهيم ،ليصبح  على نحوما جاء في الرواية أي " بيهي " وهو اسم علم شائع في جل مناطقسوس بهذه الصيغة المكيفة مع الصيغة اللغوية المحلية بمنطقة سوس ،والتحريفالذي لحق اسم بطل الرواية قد ينطبق على كل الثيمات والوقائع والأحداث التيزخر بها النص والمتن الروائي ، انها تيمة التحريف ، تعد لازمة العملالروائي من مبتدأه الى منتهاه ، تحريف أسماء الأماكن ، تحريف ارادة الناسالبسطاء ، تحريف هويتهم ،...الخ ، وبطل الرواية وقعت له حادثة مفادها رؤيتهلشاحنة كبيرة تفرغ حمولتها من الخنازير البرية في الغابة المجاورة للبلدة،  وهي منطقة  اختار لها الكاتب اسم علم :" أيت اوروكو " وهو اسم علمبالرغم من كونه يمتح من اللغة الأمازيغية ، الا أننا لا نعرف ما اذا كانعلما واقعيا يوجد في الطوبونيميا الجغرافية للمغرب أو علما متخيلا ،ومحاولة اخبار أهل البلدة أو الدوار بما رآه ، وعدم تصديقهم له بداية الأمر، دلالة على عدم استعداد الناس لتقبل بعض الحقائق التي سرعان ما تتحول الىواقع مرير ، هذه الجزئية تحيل على قصة روسية مترجمة الى اللغة الأمازيغيةمنشورة لأحد القصاصين الشباب بمجلة تاماكيت التي كانت تصدر في سنواتالتسعينيات من القرن الماضي ، بمدينة  أكادير ، بعنوان " توتلايت ن تسغيولت " ، تلخص القصة ، مسألة الهاء الذات  وتسليتها بالكذب عليها ، وابعادالحقائق المريرة الماثلة أمامها ،كون الحمار في الأقصوصة آخذ في الهاء نفسهبكون الخطر المتمثل في ذئب شرس آت ليفترسه لايزال بعيدا عنه ، فين حينيراه هو قريبا جدا منه ،... وهكذا دواليك حتى أطبق عليه الذئب....الخ ،يفسر الذهنية الانتظارية السائدة في المجتمع المغربي ، خاصة في البادية ،وعدم السعي الى المبادرة لدرء المخاطر المحدقة ، بالنسبة لسكان دوار " أروكو " الخطر المحدق والذي أصبح حقيقة يعيها الجميع بعد حين ، هي أنالسلطة الزمنية ، والتي سماها الكاتب :" المخزن " ، قد قامت بإفراغ حمولةمن الخنازير البرية في محيط الدوار ، هذه التسمية وردت في متن الروايةلأزيد من 30 مرة ، تبين مدى فداحة الفعل الذي أقدمت عليه بالنسبة لأهل :" أروكو " من جهة ، كما تبين ، التلميح القدحي ، للرفض المختلس في أعماقالكاتب لسلوكيات هذه المؤسسة السلطوية ، والتي يمثلها شيخ القبيلة " أمغارأوبوهو " ، والذي يجسد الحضور السلطوي الكثيف للسلطة الزمنية المسماة " المخزن " ضمن نسيج المجتمع القبلي والبدوي ، بالمغرب ، في سياق منفصل ،ولكنه وارد ضمن نفس السياق الرافض لمسألة افراغ الخنازير بمحيط بلدة  " أروكو "  ، محاورة بين شاب ، متعلم مع " أمغار أوبوهو " ، والاحتجاج بمقولةحقوق الانسان ،المبنية على المر تكز القانوني والحقوقي ، المناقض لمقولة" المخزن"  المبنية على البطش والكيد وعدم الانصات ، خطاب في مستوى مختلفاراد من خلاله السارد أن يظهر جسامة الاختلالات البنيوية الفكرية والثقافيةالماثلة في خضم التناقضات التي يعج بها دوار جبلي اختار له الكاتب اسم " أروكو " ، كمثال على واقع المغرب الخلفي الرابض في اسار الجهل والتخلف ،والمنصت لآهات التشنج السلطوي والعنف الرمزي الممارس عليه من طرف السلطةالزمنية ، بكثير من التلذذ والاستسلام ، بل والتبرير أيضا ، ومحاورة الشابوالشيخ غير المتكافئة من الناحية الفكرية ، تبرز ، ليس أزمة الجهل والأمية ،فحسب ، بل وايضا جدلية تناقض الأجيال المتعارف عليها بصراع الأجيال ، بيدأن الشيخ " أمغار " وانطلاقا من ذهنيته البسيطة ، قام بعقد مقارنة بينمقولة الشاب حول حقوق الانسان وقصص الجدات التي تحكيها للأحفاد ، متوجااياها بمقولة " بومحند " في نفس القصة المعروفة في الحكي الشفهي :" بقصةبومحند"  ، عندما وضع عليه الاناء الذي يصنع به الكسكس ، أي الكسكاس،حسب التعبير المغربي ،  بحيث قال : " أتيفاوت أور تحودي ئمي أورتات أوفيغ " ، في اشارة منه الى أزمة خطاب حقوق الانسان نفسه الذي تتبناه الطبقاتالمثقفة ، والمجتمع المدني ، وحتى الدولة نفسها.وفي مستوى آخر و بالرغم منكون أهل البلدة ، عبروا عن رفضهم  لهذا الفعل ، من حيث كونه يضر بزراعتهم ،وممتلكاتهم ، غير أن السلطة لم تنصت لاحتجاجهم بل وقامت بقمع كل تحركاتهمالرافضة  لعملها ، وفي خضم ذلك تم سجن " بيهي ن وايشون " من حيث قيامه بقتلأحد الخنازير البرية وأكل لحمه ، ... السلطة قامت بإحضار عدة لجان الىالبلدة ، لتفسير وتبرير فعلتها في أعين السكان واضفاء الشرعية على عملها ،سواء بواسطة مسألة الاجتماعات التي تعقدها لأعيان القبيلة والقبائلالمجاورة ، من أجل مناقشة المشاكل المطروحة ، مثل الرعي ، توزيع المياه ،تنظيم الحراسة ... الخ ، في نفس السياق وعندما كان "الدكتور حنفي" وهو أحدالوجهاء المنتمين  لدوار " أروكو "  يشرح سياسة الدولة وأهدافها فيما يخصالغابات والبراري ، ومصادر المياه ، وكيف أن المشاكل تنبع من عدم استيعابالناس خاصة في " أروكو " والدواوير المجاورة له مثل " توكاومان أو ئوزيونللغايات النبيلة للدولة المتمثلة في الحفاظ على البيئة والتنوعالبيولوجي ، يتباذر الى  ذهن القارئ ، السؤال التالي :" هل كانت الدولة ،التي كثيرا ما عبر عنها الكاتب بتسمية " المخزن " ، بكل ما تملك من وسائلالضغط والاكراه المادي والرمزي  في حاجة الى كل هذه الامكانيات لتشرح للناسفي قلب دوار جبلي نائي سياستها في مجال البيئة والتنوع البيولوجي ، من طرفاناس متضلعين في فن الكذب على الذقون ؟ لكن نفس السؤال يمكن أن يطرح بصيغةمختلفة كالآتي : ألم يكن هؤلاء الوجهاء المنتمين لهذه الدواوير الفقيرةوالمعدمة الرابضة في أعماق الجبال المنسية ، والمتنكرين لأبناء جلدتهم ،الا الوجه الآخر للسياسة المخزنية المرفوضة من طرف الأهالي ؟

القوى الفاعلة في الرواية :

داخلالنص  تتفاعل مجموعة من القوى ، يتأثر بعضها ببعض ، يناقض بعضها البعضالآخر ، يحاول بعضها اقصاء البعض الآخر ، هذه القوى تتمثل في الأهالي الذينيقطنون الجبال والمرتفعات النائية ، المحاذية للمجال الغابوي ، والدولة أوالمخزن بتعبير الكاتب ،التي تعتبر أن الغابات والجبال ومصادر المياهوالبراري والوحيش ، وحتى الناس ، أي القاطنون للمجال ، ...الخ كلها ، وسائلتدخل في استراتيجية تدبير المجال ، أي الهامش ،بكل ما يحف به من تناقضات ،لاتعير السلطة بالا اليها ، الا عندما تريد استخدامها بما يعود عليهابالنفع ،أو الا عندما تريد اخضاعها ،  يتجسد ذلك في المقولة الشعبية التيمعناها  أن يد المخزن طويلة ، وتطال كل شيء ، و من يبحث عن المخزن لا يجده ،لكن المخزن اذا أراد شخصا وجده على الفور ، اشارة الى الباع الطويل للمخزن، في الوصول الى المناطق والأشخاص المرغوبين مهما كانوا بعيدين عنه ، ... بالإضافة الى هتين القوتين الكبيرتين والمتناقضتين ، والتي تضم كل واحدةمنهما مجموعة من الأدوات والآليات التي بواسطتها تحاول التأثير على الأخرى ،ومحاولة اخضاعها ، توجد قوى جانبية ، مثل قوى الخير والشر ، المتعارفعليهما في كل التجارب الانسانية ، تتجسد الأولى في ذلك الجانب الانسانيالكامن في أعماق  كل شخصية على حدى مهما وصل شرها عنان السماء ، بالإضافةالى الجانب الايماني أو المعتقد الذي بدا في الأول مخلصا ، ليتحول مع بطلالرواية " بيهي ن وايشون " الى كابوس حقيقي ، خاصة محاولة استغلال التجربةالتي مر بها في السجن ،من حيث مراراتها للتأثير في شخصيته وقرار اته ،واخضاعه لرغباتها وأفكارها المسبقة عن الحياة والكون ،مع أفراد الجماعةالدينية الذين حاولوا التأثير على عقله من خلال بث العديد من الأفكاروالمقولات التي تستند الى الايمان والميتافيزيقيا من أجل ، انتاج  أتباعمخلصين ، طيعين ، ينفذون الأوامر بدون أن يناقشوا فحواها ،... أراد من خلالهذه القوى الكاتب أن يبرز جانبا من الجوانب الخفية ، الفاعلة والمؤثرة فيالفعل الاجتماعي بالبادية المغربية ، كمجال يتفلت من التجربة الدينيةللدعاة " المحترفين " والجماعات الدينية الممتهنة لاسترقاق العقل البشري ،المفطور على الحرية ونبذ كل أشكال الوصايات ، خاصة الذهنية الأمازيغية فيالمناطق المهمشة ، والتي يتراوح ايمانها بالغيب بين التسليم واليقظة ، فيحين يتجسد الشر في قوى الاستغلال البشع لعقول الناس ومعتقداتهم من اجل الزجبهم في متاهات ، ومسارات مغلقة ، ثمة قوى أخرى تتجاذب داخل النص ، هي قوىالمعتقدات الشعبية ، التي تنهل من الفكر الخرافي  للأضرحة والقبور ، يرمزالى ذلك في متن الرواية زيارة ضريح " لالة ديهيا " من طرف " اجا " زوجة  " بيهي ، سبع مرات ، وحكاية السوار المعوج الذي رأته في الحلم ، والدجاجالأحمر اللون الذي أخبرت به زوجها أنها قامت بذبحه في الضريح ،  وقرطاسالشمع الذي أمرت بإنارته في الضريح حتى الصباح ، الى جانب ذلك رؤية " بيهي " بدوره نفسه في الحلم  في بحيرة " حيحا " ، اسم علم له عند الأهالي دلالةرمزية ، تحيل على القوى الخفية ، والخوف ، وقوى الشر التي تضمر الهلاك لبنيالبشر ، وهو يكف ملابسه ، متكأ على سلاح ، واقف على رجل واحدة، يضرب كل منيقترب من البحيرة ليشرب منها ،هذا المتن يحيلني ، على انطولوجية الأحلاملدى جاستون  باشلار ، في كتابه الذي يحمل نفس الاسم ، وكيف تستطيع الأحلامأن تؤثر في أفعال البشر في اليقظة ، وكيف تتحول من أحلام الى أفعال واقعية  ،.... جاء في متن الرواية ضمن القوى الفاعلة ، ذكر مسألة القضاء والقدرللتخفيف من معاناة أهل دوار " أيت اوروكو " بغياب " بيهي " عنهم ، بعداعتقاله ، والحكم عليه بثلاث سنوات سجنا نافذة ، وفشل كل المحاولات التيقاموا بها من أجل التأثير على قرار " المخزن " وارادته ، سواء فيما لهعلاقة برغبتهم بأبعاد قطعان الخنازير البرية عن بلدتهم ، أو من أجل اطلاقسراح " بيهي " الذي سجن  بسبب موقفه من قطعان الخنازير البرية ، كرمزللتضحية والبذل من أجل المبادئ الانسانية ، والدعوة الى الصبر ، تحيل علىالذهنية الاتكالية والاستسلامية ، الفاقدة لأفق النضال من أجل انتزاعالمطالب العادلة ، التي يحاول الفقيه ، أن يزرعها في قلوب الناس ، التيقوبلت بالرفض ، والتوق الى اخراج الألم وتحويله الى فعل التعبير عنالمعاناة بالفعل الجاد والمنتج لثماره .

البعد النفسي و العاطفي في الرواية.

يتجلىالجانب النفسي والعاطفي في الرواية في العديد من الأحداث والوقائع ، الخوفوالأرق وكثرة الهواجس ... الذهاب بعيدا في التخمينات حد التفكير أو التنبؤبكون"  بيهي "  قد يكون حفيدا لأحد الصلحاء ،عملية البوح التي قام بها " امغار " للفقيه ، تشبه الى حدما تلك العملية التي يقوم بها النصارى ، عندمايذهبون للاعتراف لدى الأب أو الكاهن في الكنيسة أو الدير ، ونصح الفقيهنابع من الدين الذي يحث على جعل لمجال المعاملات أفضلية على مجال العبادات،... الجانب الانساني في شخصية أمغار " أوبوهو " استعمل الكاتب تقنيةالمونولوج من أجل أن ينقل الى القارئ ، كافة العواطف الجياشة والأفكاروالأحاسيس المتوارية في نفسية أمغار ، كشخصية ترمز الى العنفوان والقوة لاالى الخضوع والاستسلام ، لكن ههنا ، فان لها آهات وهنات ،" أبوهو " ، لايستطيع أن يبوح ، لغيره بما كان يعتمل في صدره ، والا أصبح شماتة الشامتين ،الجاه والسلطة ، الألم والمعاناة ، رديفان أساسيان ، الاحساس بالذنب ، والشعور بكون معاناته النفسية  ما هي الا نتيجة الظلم والعدوان الذي يمارسهعلى الأخرين ، وبالأخص ، على أبناء جلدته ، أبناء دوار " أروكو " ، وكتتويجلذلك كله تأتي مساهمته في حبس " بيهي ن وايشون " في قمة الأفعال التيتستوجب الندم العميق ، حالة نفسية عصيبة شبيهة بحالة الطغاة  والجبابرةالذين تقتلهم الهواجس والتخمينات  والتهيؤات ، التحليل النفسي لايقف في متنالرواية عند تحليل نفسية أمغار فحسب ، بل ان وصف حالة" بيهي" وهو بداخلالسجن ، وكل الأفكار التي تدور برأسه ، والتساؤلات التي تؤرق باله ، ماهيالا وجه من أوجه التحليل النفسي لشخصية " بيهي " ، فبالنسبة" لبيهي" الذيدخل السجن من أجل قضية عادلة ، هي الدفاع عن حرمة البلدة التي استباحهاالخنزير البري ، ليس هناك سجن شريف وآخر غير شريف ، لأنهم في السجن لايفرقون بين سجين شريف وآخر وضيع ، فالسجناء بالنسبة لهم كلهم مجرمونويستحقون العقاب ، اشارة من الكاتب الى اشكالية سجناء الرأي بالسجونالمغربية ، والذين يزج بهم بين المجرمين المتضلعين في القتل وتهريب الأشخاصوالمخدرات ،وبواسطة تقنية المونولوج يبرز الكاتب الحالة النفسية ل " بيهي " التي هي حالة نفسية مشوبة بالقلق والحزن والألم العميق ،... يتجلى التحليلالنفسي أيضا في متن الرواية ، في وصف حالة " أمغار " أوبوهو" ، خاصة بعدنزع السلطة من يده ، ووضعها في يد غيره ، أي " بيهيش "  ، فوشاية" بيهيش" بأهل البلدة، أثناء عزمهم تنظيم مسيرة الى أمام باب المحكمة للتنديد بحكمهاعلى " بيهي " أدى الى تدارك الأمر ، وافشال مخطط أفراد البلدة ، الشئ الذيلم يكن واردا في  معطيات " أوبوهو "  كان سببا في نزع السلطة من يدهووضعها في يد غيره ، بالرغم من أصوله المتواضعة، احالة الى ارتكاز الولاءالمخزني على الوشاية أكثر منه على الفعالية والاخلاص  ، وازاحة " أوبوهو " عن " المشيخة " أو  " تموغرا" ، سبب له ألما عميقا ، وحزنا أخرسا قاده الىالجنون ، هذه الفرضية ، تحيل على مسألة اعادة انتاج النخب ، التي اشاراليها الدكتور على حسني ، في كتابه :" تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية " ، بحيث يرى أن مؤسسة المخزن في القرن 19 ، ترتكز على مسألة انتاج النخبواعادة انتاج النخب ، وأورد قصة الوزير المنبهي، الذي كان صدرا أعظم في عهدالسلطان الحسن الأول ،كيف انقلب عليه الأمر ، في عهد السلطان عبد العزيز ،بحيث قام " الصدر الأعظم "  المسمى " با أحمد " بإزاحته ليحل محله ، ونكلبه وصادر أملاكه ،... حالة أخرى من حالات التحليل النفسي ، تتجلى في عدمقدرة " بيهي " على البكاء ، أثناء جلساته مع أولئك الأشخاص الملتحين ، كمايفعلون هم ذلك بكل بساطة ، بحيث لاحظ أنهم يستطيعون البكاء وقتما شاءوا ،في حين تستعصي على مقلتيه الدموع، لأن الرجل في عرف الثقافة البدوية يجب أنيكون قوي الشكيمة، متواري المشاعر والأحاسيس الرقيقة ، والا أصبح عرضةللسخرية والامتهان ، كما يرى هو ذلك ، نفس الأمر حدث للفنان الأمازيغيالمناضل ، الراحل معتوب لوناس ، أثناء اعتقاله في الجبال بمنطقة القبائل  في سنوات العشرية السوداء كما يسميها أشقاؤنا في الجزائر، بحيث ذكر ضمنمذكراته التي نشرها بعنوان :" المتمرد " ، كيف كان أفراد الجماعة المسلحةالذين ألقوا القبض عليه ، يستدرون البكاء بسرعة أثناء وقوفهم في الصلاة ،كونه لم يكن قادرا على مجاراتهم في البكاء ، في حين كان يتساءل ويستغربكثيرا سبب بكائهم ، في الوت الذي يرتكبون فيه فظاعات انسانية ،تندرج فيقائمة جرائم الحرب .

فيالانثروبولوجيا المغاربية لمحمد أركون ثمة احالة الى كون التشاؤم بأصواتالبومة ،عبارة عن اعتقادات وتهيؤات وتمثلات اجتماعية لها أصول في الطقوسالوثنية الضاربة في أعماق الثقافة المغاربية ، والمعتقد الديني والايمانييقف في الوسط بين التمثلات الطقوسية ، والأفكار المستنيرة التي يرفضها هذاالنمط من التفكير كمخلص من تلك المعتقدات الخاطئة ، المرتكز على حشو ذهن " بيهي"  بأفكار الجماعات الدينية عن الجهاد والقتال في البلاد البعيدة " تلاجستان " ضد الكفار والأموات الذين نهضوا من مراقدهم ليقاتلوا الى جانبالمجاهدين ، هذه المقولات شحذت ذكاء  " بيهي "، الذي لطالما ، حاول التخلصمنها ، بفعل ذهنيته المتمردة ، وذكائه المتقد ، في خضم ذلك تنتاب حيرة  عقله  المتقد وقلبه  المندفع  نحو التصديق التلقائي  لكل ما يقوله الداعية ،أو مرشد الجماعة " بومسعود " الذي ادعى أن" بيهي" كان يتمنى أن يذهبللقتال في بلاد " تلاجستان " ، هذه الفرضية تحيل على مسألة تجييش الناسوارسالهم الى القتال في بلاد بعيدة ، باسم الجهاد المقدس ضد الكفار ، وهيممارسات وسلوكيات الجماعات الدينية ، غير أن الشك التلقائي وليس المنهجيبتعبير ديكارت ، الذي يتأجج في عقل " بيهي " هو الذي دفع به الى الخلاص منقبضة الدعاة المحترفين أو طيور الظلام " ئكايوار ن تيلاس " ، كما تطلقعليهم زوجته ،  " اجة "، التي كانت ترفض وتعارض بشدة ، انتماء زوجها لتلكالجماعة الدينية .

البعد الاجتماعيفي الرواية :

يتجلىالجانب الاجتماعي والتاريخي في متن الرواية ، في قدرة السلطة على تحويلمعاناة سكان " أروكو " ، الى قضية ذات أبعاد كبيرة مثل قضية البيئة ، ولذلكفان النملة التي هي مجرد حشرة صغيرة استطاعت ان تتوارى خلف الفيل ، أوالخنزير البري ، بتعبير الكاتب في الفصل الثاني  من الرواية ، بحيث قامتالسلطةبإحضار المنتخبين ومندوب البيئة وقامتبتنظيم لقاء تواصلي مع أهل بلدة " أروكو " من أجل أن تشرح لهم أن ما قامت به من افراغ قطعان الخنازير فيمحيط البلدة ، ما هو الا اجراء يهدف الى الحفاظ على البيئة ، وتم  لأجلاقناع الناس بهذا الأمر استعمالها لكل الوسائل المتاحة من أجل " أن تمر هذهالعملية في أحسن الظروف " وكما تريد السلطة ، ومن ضمن هاته الوسائلالمتاحة ، استعمال الدين لنفس الغرض واحضار الفقيه من أجل تلاوة القرآن ،ودعوته الى التركيز على الآيات التي ذكرت فيها الحيوانات ،الا أن عدم فهم  الفقيه لمغزى الاجتماع وانجراره وراء القراءة الآلية للقرآن ، جره الى ذكرالآيات التي تشير إلى كون الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوا فيها وجعلوا أعزةأهلها اذلة ...الخ ، الشيء الذي أغضب ممثلي السلطة الذين ،أوصوابإزاحته منامامة المسجد فيما بعد ....، كما تم احضارلافتة كتب عليها ما معناه : " حياتنا ترتكز على بيئتنا ، لنجعليدا في يد من أجل ازدهار بيئتنا والحفاظعليها " ، الحادث له دلالات أراد الكاتب أن يبرز من ورائه رأيه حولعدم قدرةالسلطة على فهم احتياجات الناس الحقيقية أو على الأقل تجاهلها لتلكالاحتياجات وعدم ايلائها الأهمية التي تستحقها ، الشيء الذي يوضح ديماغوجيةالمخزن ، من حيث عدم اتضاح الرؤية فيما يرمي اليه بالنسبة لسكان البلدة ،الذين يرون أن الخنازير البرية تعتدي على أملاكهم ، ويجب أن ينكفئ هذاالاعتداء عنهم ، فقط ، هذا ما يريدونه ، أما مسألة الحفاظ على البيئة ، فهيلا تدخل ضمن الأولويات بالنسبة لهم ، هم الذين لا يفكرون الا في رغيف خبز،لا يستطيعون أن يفهموا كنه هذه الأمور، والحفاظ على البيئة يجب ألا يأتيعلى حسابهم وعلى حساب أرزاقهم التي تأتي من حقولهم الجبلية الضيقة ،الشيءالذي لا يريد " المخزن " أن يستوعبه بدوره ، بحيث كون السكان بالنسبة اليه ،ما هم الا جزئية صغيرة ضمن معادلة  كبيرة جدا تسمى :" تدبير المجال "  ، ... عدم الاتيان على ذكر الحيوانات من النائب البرلماني ، تحيل على التناقضالصارخ  في اطروحات المخزن ،وعدم قدرته على اقناع هؤلاء البسطاء بأطروحتهالتنموية والبيئية ، كما أن عدم ارتكاز المحاور المثارة ضمن الحديث الموجهالى السكان على موضوع الخنازير البرية ، بالرغم من كونه الموضوع الرئيسيلمجيئ تلك البعثة الى الدوار ، يحيل على كل ذلك ، استعمال الأمثال من طرفالكاتب ، لتبيث هذه الفكرة في ذهن القارئ ،مثل قوله على لسان أحد الشخصيات :" ئغ ئرا ئميلو تزارت ئكد تيكيضوت " ،طريقة  " أباشوش " في الكلام ،والمداخلة التي قام بها ، وعدم الاعتراض على مداخلات من سبقوه ، بلوالتنويه بها ، جزئية تبين عدم جدوى التمثيلية السياسية للمنتخبين الذين لايمثلون الا انفسهم ولا يدافعون عن قضايا مواطنيهم ،بمعنى كونهم يدورون فيفلك السلطة ، ويتقون غضبها ، ويطمعون في أعطياتها ويجنون المنافع من ورائها، في اشارة واضحة من الكاتب الى أزمة التمثيلية السياسية في مجتمع لميستوعب بعد الدرس الديمقراطي ، بما هو ، حرية رأي وتعبير ، ودفاع عن قضاياالشأن العام ، وليس مجرد التصويت في يوم الانتخاباب ، تأتي في نفس السياقمداخلة أحد الحضور ، الداعية الى الاهتمام بالإنسان الذي هو محور البيئةوالتنمية ، جانب آخر من الجوانب الاجتماعية المتواترة ضمن المتن الروائي ،اذ انبرى شاب وأذهل الحضور بمداخلة قيمة ، " ايوس ن تبركانت " حث المتدخلينعلى ذكر أسماء الأماكن باللغة الرسمية ،أي اللغة الأمازيغية ، هذه نقطةنظام من أجل اعادة الأمور الى نصابها، خاصة في مثل هذه الاجتماعات الرسمية،التي يذكر فيها أسماء الأماكن الجغرافية معربة أو مفرنسة ، وبغير اللغةالتي تحمل دلالات ومغازي تلك الأسماء والأعلام ، بحيث جاء اسم " أروكو " على شكل " أروكاتة " و " توكاومان " على شكل " قلعة الماء " و" ئوزيون " على شكل " أوزيوة " ، علامة دالة على أن الكاتب تؤرقه هذه المسألة كما تؤرقجميع المناضلين الأمازيغيين الذين يقفون في كل يوم أكثر من مرة على مثلهذه الممارسات التي تحط من قدر اللغة والثقافة الأمازيغيتين ، وكذا من قدرالانسان الأمازيغي ، وانتقد سياسة الدولة في تدبير المجال الغابوي ومصادرالمياه في علاقتها بالمحيط السوسيواقتصادي ، وبالإنسان الذي هو القطبالأساسي في المعادلة البيئية والطبيعية ، " ئيويس ن تبركانت " ساقه الكاتب ،كنموذج للشاب المثقف الذي غالبا ما يفاجأ أفراد البعثات التي تزور مثل هذهالدواوير النائية ، بوعيه اليقظ وبديهته الوقادة وذكائه المتقد ، في حينجاءت مداخلة " الدكتور أحيون " ضمن جلسة الأعيان " ضمن الفصل الرابع، الذيعنونه الكاتب :" توكاومان أو قلعة الماء " ،  بعد جلسة المسؤولين الكبار " انغلافن " كرد على مداخلة الشاب ، لتبرز على أن الدولة لاتستطيع أن تسيطرعلى الأماكن والمناطق أو المجال بصفة عامة دون أن تحرف أسماء تلك الأعلام ،لأن تسمية الأماكن بأسمائها الحقيقية يعني ارجاع الحقوق لأصحابها ،واعتراف بالحق التاريخي للسكان على أراضيهم ومجالهم الغابوي ، وخلص الىمايلي : اذا أردت أن تحكم الأرض يجب أن تحكم الاسم ، هنا تبرز وبشكل كبير ،تيمة الأرض ، تدور حولها قيمة فلسفية عظيمة  تتلخص في التساؤل التالي : لماذا ترغب الدول الغازية في محو آثار الحضارات السابقة لغزوها ؟  اذا لميكن هدفها هو احتلال الأرض و طمس كل الحقائق التاريخية الدالة على تلكالحضارات السابقة،  ساقها الكاتب في مداخلة " أحيون " ، هل يجب أن نتذكر أناسم أحيون يحيل على البعد اليهودي في الهوية المغربية ؟ لست أدري تمامالماذا جاء في متن الرواية  ذكر هذا الاسم اذا لم يكن من أجل هذه الغاية ،ومداخلة  "أحيون " دعوة الى عودة الوعي الى العقلاء من أصحاب الأرضالمتواجدين بالمراكز المرموقة ، قصد اعادة الأمور الى نصابها ، وهذه مسألةأخرى من ضمن المسائل الكثيرة التي تؤرق بال السارد أو الكاتب ،ومصطلح " أيتأودرار " تحيلني على جمعية سكان الجبال العالمية ،التي تدافع عن الوجودالتاريخي للسكان بالجبال ، والدعوة الى استفادتهم من ثمار التنميةالمستدامة ، وعدم اقصائهم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا،  أما مداخلة " بوعمران " وهو  أحد الوجهاء بالمنطقة ،  حول التركيز على ضرورة انخراطالبلاد في ثقافة حقوق الانسان ، فقد ايقظت شكوك " اويس ن تبركانت " حولقدرة" بوعمران "على  انجاح مشروعه الذي أوقفه  " بايوزيون" ،بمعنى كون" بوعمران"  ليس جادا في طرحه الا من خلال رغبته في استمالة السكان من أجلانجاح مشروعه المتمثل في تعبئة المياه المعدنيةالمتواجدة بإحدى مصادرالمياه بالمنطقة ، في قارورات موجهة للتسويق ، أو بتعبير آخر تحالف المنافعالاقتصادية للنخب مع المنافع السياسية ، ضدا على مصالح السكان البسطاء.

الخط الزمني و التنظيم المكاني للرواية.

 أروكو يعني في اللغة الأمازيغية ، الاناء ، والاناء له دلالة بالنسبة لأهلتلك البلدة ، من حيث كونه يدل على التئام الأسرة أو العشيرة من أجل تناولالطعام ، انه يرمز الى الدف ء الأسري ، والحميمية العشائرية ،في المجتمعالمغربي التقليدي ،وهو المكان الذي دارت فيه جل أحداث الرواية ، كما أنهيعتبر بؤرة الرواية نفسها ، اذ فيه وبسببه وقعت  مجموعة من الأحداث التيشكلت المتن الروائي ، بكل ما يعج به من أسماء الأماكن وأسماء الشخصيات وعلىأساسه استعمل الكاتب مجموعة من التقنيات التواصلية ، والأدبية ، والفنية ،من أجل أن يوصل الى القارئ فكرة ، معينة ، عن مكان ما ، على كوكب الأرض ،يقوم فيه الانسان  وتحت يافطة مسميات عدة ، بقهر  أخيه الانسان ، ومحاولةمصادرة حقه في الحياة  ، " وأروكو " من حيث كونه اسم علم جغرافي ، لبلدةتقع في قلب الجبل ، تمثل مناطق الظل ، أو المغرب العميق ، حيث تعيش ، طبقةاجتماعية ، كل أنواع الاقصاء الاجتماعي والاقتصادي ، وكل صنوف القهروالجبروت التسلطي ، وهي اذ تتعرض لهذه الممارسات المهينة للإنسان  ، تصدرأناتها , آهاتها ، لكونها  تتألم ، غير أن ألمها لا يشعر به أولئك القائمونعلى الشأن السياسي بالبلاد ،بيد أن هؤلاء لديهم حسابات أخرى تعتبر من ضمنأولوياتهم ، انها منافعهم الاقتصادية ، واستراتيجياتهم السياسية في السيطرةوالتحكم ، فاذا كان المجال الحضري وذلك بالنظر الى تركيبته الاجتماعيةوالديمغرافية يفلت من رقابة السلطة وجبروتها، فان العالم القروي أو المناطقالخلفية ، تعد المرتع الرئيسي لكل الممارسات الهادفة الى اعادة صياغةالمشهد السياسي وفق التوازنات المرغوبة من الخلف ذاته ، وهي لعبة معقدة جدالا يفهمها أولئك البسطاء ، الرابضون في الأعالي ، وبين الأدغال والأحراش ،المجاورون للوحيش والتضاريس الوعرة والمناخ القاسي .

الروايةتقع في 194 صفحة ، تضم 15 فصلا ،  بالإضافة الى معجم ،اتبع فيها الكاتبالخط ، التصاعدي المتذبذب بين تقنيات سردية متنوعة ومتناغمة ، تتوزع بينالمونولوج والاسترجاع والوصف والشرح  والحوار ، ووظف فيها الأمثال  والأشعار، تخترق أزمنة يختلط فيها النهار بالليل ، والشهر بالسنة ، لايكاد عمرها يتجاوز بضع سنوات ، يتجلى ذلك في ذكر ضمن الكاتب للفصل السابع  ،كون " بيهي " قضى الى حدود ذلك سنتين في السجن ، لكنه في مكان آخر ، يذكرأن  " بيهي " ، قضى تلاث سنوات سجنا ،بما يفيد أن زمن الرواية متقارب جدا ،كون الأحداث التي أثرت المتن الروائي لا تفصل بينها مسافات زمنية بعيدة،كما أن الفترة الزمنية أو التاريخية ، التي تناولتها أحداث الرواية ، هيالفترة المعاصرة ، ومؤشرات عديدة تدل على ذلك ، لهذا فيمكن القول أن بعضالأعلام الجغرافية المذكورة في متن الرواية مثل " ئوزيون " تعد أعلاماجغرافية لمناطق واقعية ومعروفة جدا ضمن خارطة منطقة سوس ،  كما أن الصورةالخارجية للرواية ، وهي تظهر مشهدا لإحدى الدواوير المتواجدة في الجبال ،لن يكون ذلك الدوار الا احدى الدواوير المتواجدة بالأطلس الكبير الغربي ،بالنظر ليس فقط الى الطابع العمراني للمنازل البسيط جدا ،من حيث الموادالمستعملة التي لم تتأثر بعد بالمواد الحديثة كالإسمنت والحديد والآجر ،على غرار بعض الدواوير المماثلة ،  لكن بالنظر الى مشهد المدرجات الضيقة ، والتي تبدو شديدة الانحدار نحو السفح ، والمستغلة في حالات مماثلة فيزراعات دورية مثل الشعير والذرة وبعض الخضر وات ،تتخللها بعض الأشجارالنفضية ، غير المورقة ، مما يوحي بكون الصورة أخذت شتاء ، والمنظر العامللدوار الظاهر بالصورة على الغلاف الخارجي للرواية ، يعطي الانطباع علىأننا أمام دوار جبلي لم يتأثر كثيرا بالوسائل العصرية المتاحة في غيره منالدواوير المماثلة ، تفسير ذلك أحد أمرين : اما عدم ربطه بالمسلك الطرقيالذي يمكن من نقل تلك الوسائل، وهو افتراض ضعيف بحكم كون مجموعة من اللجانالتي سيرتها السلطة تحضر الى الدوار، مع أنه في بعض دواوير الأطلس الكبيرالتي تفتقد للمسالك الطرقية ، لايزال يتنقل الناس وحتى أعوان السلطة  علىظهر الدواب ،وبالتالي نحن أمام مستوى من الدواوير الجبلية المتواجدةبالأطلس الكبير الغربي ،التي تعيش عزلة مطلقة عن العالم الخارجي ، أوللمستوى الاجتماعي والاقتصادي للساكنة القريب جدا من الفقر والهشاشةالمطلقة ، علاوة على كون جل ان لم يكن غالب الأحداث المتضمنة في الرواية ،هي من صميم الواقع اليومي المعاش لمجموعة من الدواوير المنتمية الى مايصطلح عليه بالمغرب العميق ، أو المناطق الخلفية ، حيث يعيش الناس في أسفلالسلم الاجتماعي ، مجبرين على التعايش مع الخنزير البري ، معتمدين على بعضالمزروعات المعاشية  التي تتلفها في الغالب  عربدة  جحافل الخنزير البريالتي تطلقها وتحميها السلطة ضدا على ارادة وحقوق السكان ، وعلى بعض قطعانالماشية ، بالإضافة الى الهجرة التي تعتبر في بعض الحالات المورد الرئيسيللعائلات التي يمدها أفرادها من المدن بالمال اللازم من أجل استمرار الحياة، فان الخط الزمني للرواية ، متساوق مع خط الأحداث ، بحيث انصبت معضلةالخنازير البرية التي أفسدت  الحياة على سكان هذا الدوار الهش ، لتجعل كلالآفاق مسدودة ، مع انعدام الحلول الجدية ، وانعدام الرغبة الأكيدة من طرفالسلطة  قصد ايجاد الحلول الملائمة ،... وأمام معضلة انسداد الأفق لم يتبقىللسكان الا خيارين اثنين اما البقاء ومواجهة  قطعان الخنزير البري بمزيدمن الصبر ، مع أنهم لا يستطيعون قنصها  ، لكون القانون يمنع بشكل مطلقاصطياد أو قنص الوحيش ، الا بموجب شروط وضعتها الادارة الوصية على الغاباتلهذا الغرض ، بمعنى الاندحار البطيء، أو بيع أملاكهم لشخص ثري آت منالمدينة أي الانسياق وراء الحل الذي أجد أنه – ربما – ليس حلا نابعا منارادة السكان أنفسهم ، الا لكون الكاتب ونظرا لانسداد الأفق السردي أمامهلم يجد أما مه الا هذا الحل ، بحيث أمام رغبته في انهاء الرواية على نحومعين ، وايجاد حل لعقدتها المعقدة بغياب الحل الذي يجب أن يأتي اما منالسكان أو من السلطةنفسها ، قرر أن ينهيها على هذا النحو ،في حين أن الحلالمقبول في مثل هذه الحالات ، لا يجب أن يأتي من الخارج ، أي خارج الدوارأو خارج السلطة ، وبالتالي خارج السياق ،  لذلك فاني اعتبره حلا مفتعلا منقبل الكاتب للتخلص من عقدة الرواية ، التي وصلت الى ههنا ، بدون حل ، بحيثلا يعقل  - وهذا في عرف الذهنية البدوية لسكان الجبال – أن يأتي أجنبي  ويزعم أنه ينوي شراء  تلك المدرجات الشحيحة  فيجد أمامه الطريق سهلة ومعبدة،فقط من أجل أن يخلص سكان " أروكو " من محنتهم ؟ هذا أمر مستبعد جدا، لهذافاني أعتقد أن الحل الذي أورده الكاتب في نهاية الرواية حل مفتعل ، ومعذلك فان للرواية جمالية تخييلية لا يمكن أن تخطئها العين المتفحصة والعقلالناقد.

الأسلوب، لغة الرواية، و مجالاتها.

  يظهر جليا من خلال أسلوب الرواية مقارنة بالروايتين السابقتين لنفس الكاتب، أن هذا الأخير بذل مجهودا جبارا في التعبير بلغة أمازيغية أدبية شفافةورشيقة ، الشيء الذي لم يكن متاحا في الكتابة باللغة الأمازيغية من ذي قبل،ذلك الأسلوب الذي يمتاز بالرشاقة والسلاسة والبلاغة العميقة ،كما تتجلىجمالية النص الروائي المدروس في استعمال التعابير المستحدثة  والتعابيرالأصيلة جنبا الى جنب، وكذا المصطلحات الحديثة ، فعملية النبش في المعجمالأمازيغي وعدم الاقتصار على المرادفات الجاهزة ، بمعنى عدم الاكتفاءبالمستوى اللغوي الكامن في التعبيرات الشفوية ، بل و مع ايرادها بكثرة يمكنأن نلاحظ أن أسلوب الرواية تتخلله تعابير ومرادفات  مستحدثة أيضا ، مثالللتعبيرات المستعملة في الشق المحكي بالمناطق اللهجية على الأقل بالمغرب ،أذكر " تمسومانت " وهو تعبير متداول بالأطلس المتوسط ، ويعني : بذل الجهد ، " حوما " وهو متداول بمنطقة الريف ، ويعني  :لأجل ، " غاس " وهو متداولبالأطلس المتوسط ، ويعني : فقط ، " أمردول " وهو متداول بالأطلس المتوسط ،ويعني : الطبيعة أو البيئة ، " قاع " وهو متداول بمنطقة الريف ، ويعني : الكل ، " جاج " وهو متداول بالأطلس المتوسط ، ويعني : داخل ، " أقبان " ،وهو متداول بالأطلس المتوسط ، ومعناه : الساذج ، " ورئزمر " وهو متداولبمنطقة الريف ، ومعناه : لايقدر أو لا يستطيع ...الخ. في حين استعمل الكاتبمجموعة من التعابير الجاهزة المستعملة بمختلف المناطق الأمازيغية سواءداخل المغرب أو خارجه ، أوردها في الغالب اما على شكل أمثال شعبية  أو علىشكل تعابير مجردة ، أو على شكل مختصر لقصص وحكايات متداولة في تلك الجهات ،مثل :" قصة النمس أو بومحند " ....الخ  ، واجمالا فان الكاتب استعملأساليب متنوعة وتعابير مختلفة ، منها أسلوب المجاز ، الشعر ، كما استعانبالتحليل النفسي والمونولوج كذلك ، وبذلك فقد طرقت لغة الرواية لمجالاتتعبيرية متعددة المستويات ، رائدة من حيث اكتناف المرامي التعبيرية ،واستكشاف مجاهل وتخوم الأساليب اللغوية الأمازيغية.