تيمة الهجرة في الرواية الأمازيغية: ئكضاض ن وهران

رشيد نجيب

 تعززت الساحة الأدبية الأمازيغية بصدور عمل روائي بعنوان:”ئكضاض ن وهران” للمبدع الحسين بويعقوبي أنير، عمل من شأنه أن يضيف أشياء جديدة للأدب الأمازيغي المكتوب بالمحاور أو التيمات التي تناولها، ولكن كذلك بمختلف تقنيات وأساليب الكتابة التي وظفها الكاتب من أجل صياغة عمله الأدبي الأول. فيما يلي قراءة أولية عامة لهذه الرواية في رحلة عبر فصولها الستة وشخوصها والتيمات الواردة بها.

المؤلف:

يتضمن الغلاف الأخير للرواية نبذة مقتضبة عن المؤلف بالفرنسية تبين أن الحسين بويعقوبي ازداد سنة 1974 بتاراست بأكادير، بعد حصوله على الإجازة في التاريخ والجغرافية بجامعة ابن زهر، هاجر إلى فرنسا سنة 2002 لتحضير دبلوم الدراسات المعمقة بجامعة باريس الثامنة. يحضر لنيل شهادة الدكتوراه في الأنتروبولوجيا بباريس. درس اللغة الأمازيغية بمعهد الإنالكو، نشر سنة 2009 أول إصدار له حول محمد شفيق ومساره النضالي من أجل الاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغيتين بالمغرب. ونسق أعمال مؤلف جماعي حول ” أمازيغ فرنسا” من إصدار جمعية تاماينوت فرنسا.

الرواية: تيماتها، أحداثها، شخوصها

تتناول الرواية موضوع الهجرة كتيمة مركزية أساسية تتفرع عنها تيمات فرعية ترتبط بشخصياتها مثل: الهوية، الحب، البطالة، العلاقة مع الآخر، حقوق الإنسان، الإسلام…إلا أن ما يجمع بين كل شخصيات الرواية هي الهجرة والاغتراب وأحيانا النفي الاضطراري.

ظل سؤال الغاية من هجرة البطل الرئيسي “ئدر” – الطالب المهاجر لاستكمال دراسته العليا – السؤال الأبدي والأزلي الذي يطرحه على نفسه وفي ذات الوقت يتهرب من مجرد التفكير فيه حيث يفتعل أي شيء للهروب من هذا السؤال. وستزداد حدة هذا السؤال بكثير من الحرقة في لحظة السفر وتوديع الأب لابنه، لحظة حضر فيها البكاء وألم الفراق تصورها الأب نوعا آخر من فقدان ابنه “ئدر” كما فقد أبناءه الثمانية جراء إصابتهم بمرض وبائي بدوار “سيدي بوتماخيرت” قبل أن تقرر العائلة الرحيل عن الدوار بناء على نصيحة من حكيمة القرية “ئبا ئجو” للحفاظ على ما تبقى من الأبناء ( هجرة داخلية هذه المرة للحفاظ على حياة الأبناء وسلالة الأب).

يستغرق زمن رحلة “ئدر” مدة يومين عبر الحافلة التي ستقطع المسار الرابط بين إنزكان وباريس. خلالها سيقدم لنا الكاتب بورتريهات في قالب روائي لعدد من ركاب الحافلة المهاجرين للديار الفرنسية: منهم “سعيد” الشاب المهاجر بدوره والممارس لكرة القدم ضمن إحدى الفرق المحلية، له سابق معرفة ب “ئدر” بحكم نشاط هذا الأخير ضمن صفوف الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة. في العلاقة التواصلية بينهما، سيحضر بقوة سؤال الهوية بشكل يبرز تناقضا جليا في منظور كل واحد منهما لقضية الهوية بالمغرب. الشيخ السلفي الأمازيغي اللسان الذي بدأ الرحلة بإلقاء موعظة دينية عن الآخرة وأهوال القبر مما سيثير حفيظة بعض الركاب خاصة من الشباب حين لم تتطرق الموعظة إلى الجنة ونعيمها. ثم ” دا بوجميع” العجوز المتزوج من امرأتين واحدة مستقرة بالمغرب وأخرى بالمهجر، يرفض السفر عبر الطائرة مفضلا الحافلة، كثير الصراخ والتجشؤ، يعد سلفا الوجبات الغذائية التي سيتناولها طيلة الرحلة. “براهيم نايت ئجا” الرجل الذي تفوح من حذاءه رائحة نتنة مقززة، المرأة المثقلة بالمتاع برفقة رضيعها، الشابان الكتومان المدمنان للمخدرات، الشاب والشابة في الحهة الخلفية للحافلة، المسافر الراكب من الدار البيضاء والرافض لبث مواد بالأمازيغية في التلفاز المثبت بالحافلة…وكأن الروائي هنا يريد أن يبين أن الأمر يتعلق بهجرات جماعية متقطعة، الكل يريد أن يهاجر، لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث، بين الشباب والشيوخ وبين المتعلمين ودونهم…الجميع يريد الهروب من سجن كبير، لمن سيترك كل هؤلاء بلادهم ؟ يتساءل الروائي.

حين يتحدث الروائي عن القرية التي ينحدر منها وهي قرية “سيدي بوتماخيرت” حيث الحياة مرتكزة على أسس ثلاثة هي: البحر- الأرض- بئر القرية،  يستحضر عددا من عادات الأهالي في الاحتفاء بالبحر خاصة ما يهم تقديم قربان سنوي له، وهو الذي يعتبر موردا رئيسيا لكسب قوت يومهم، ويورد مغامرات بعض السكان في علاقتهم بالبحر مثل “لقبطان” و”علي نايت بوحشوش”، كما يتحسر جراء تغيير الأهالي لوسائل الصيد التقليدية المتوارثة عن الأجداد بأخرى حديثة. تركز السرد كذلك في هذا الفصل على محاولات والد “ئدر” في الهجرة إلى فرنسا أثناء قدوم النخاس الفرنسي “فيليكس موغا” للجنوب المغربي ورفض الجد لهجرة ابنه، ثم في مرحلة ثانية حين حصول الأب على عقد عمل للعمل بفرنسا مع رفض الزوجة لذلك بدافع الغيرة. دون أن يغفل الروائي استحضار التناقض المرتبط بالهجرة إلى بلاد المستعمر والتضحيات التي قدمها الأجداد للكفاح ضده.

سرد الروائي عددا من الأحداث المرتبطة باجتياز حاجز الجمارك في الفصل المعنون ب: “تاناوت ن ؤجنجم”، ولعنوان الفصل دلالته في الإحالة على الإنقاذ والنجاة. أحداث ترتبط بكل أنواع التهريب التي تتجاوز تهريب الذهب والمخدرات إلى تهريب البشر حيث يورد قصة الشاب المعطل المهاجر بطريقة غير شرعية على متن نفس الحافلة بتواطؤ مع سائقها. وعلى متن الباخرة المقلة للمسافرين إلى “الخزيرات” سيلتقي “ئدر” بمهاجر من طينة أخرى هو الأستاذ الجامعي المتخصص في التاريخ والمغترب لسنوات بسبب نضاله السياسي والحقوقي وسيتناول الحوار بينهما عددا من القضايا من ضمنها قضية الهجرة السرية.

تيمة الحب في الرواية تحضر في علاقة بطل الرواية بالمواطنة الفرنسية “ميلاني” التي سيغير اسمها إلى اسم أمازيغي “تيميلا”، لقاء عابر في مقهى فرنسي سيؤسس لهذه العلاقة مع الآخر بما يميزها من تمثلات وخلفيات واختلافات دينية واجتماعية وثقافية ونمط للعيش كذلك، وسيتفق في النهاية كل من “ئدر” و”تيميلا” على بناء علاقتهما على الأساس الإنساني المحض بعيدا عن كل المنغصات التي من شأنها قطع هذه العلاقة.

حكاية أخرى من حكايات الهجرة والاغتراب هي حكاية “دا محند نايت لكبوس” الشيخ السبعيني المهاجر منذ 1952 إلى وهران الجزائرية ضمن كوكبة من المهاجرين سموا اجتماعيا ” ئكضاض ن وهران” . هذا الشيخ الذي كان يقوم بجمع تبرعات المواطنين المغاربة بفرنسا لإرسالها إلى خلايا المقاومة بالمغرب للنضال ضد المستعمر.

تظل الهجرة التيمة المركزية التي تتناولها رواية “ئكضاض ن وهران”، بنى الروائي أحداثها بسرد علاقة شخوصها بالتيمة المتناولة، لكل شخصية حكاية خاصة يوردها المبدع إما بسرد وصفي لمسارها بالنسبة للبعض أو بواسطة الحوار المباشر مع البعض الآخر، وكأن المبدع  أعد جذاذة أو بطاقة تقنية لكل شخصية على حدة.

أما السرد في هذه الرواية فلا يتخذ منحنا تراتبيا تصاعديا حلزونيا مثلما هو معمول به في معظم الأعمال الروائية، بل إنه يكاد أشبه بلعبة “البوزل” السحرية التي تتطلب من صاحبها جمع وترتيب أجزاء صغيرة بدقة للحصول على الصورة الكاملة والنهائية بشكل واضح. اللجوء إلى التراث كان جليا في الكثير من مقاطع الرواية خاصة بتوظيف العديد من الحكم والأمثال الأمازيغية والإحالة على أسطورة حمو أونامير لتوصيف العلاقة بين “ئدر” و “ميلاني”. على مستوى الكتابة، وظف الكاتب لغة أمازيغية تعمد المستوى اللغوي لتاشلحيت مع الانفتاح التدريجي على اللغة الأمازيغية المعيار واستعمال جمل وتعابير بسيطة سهل فهم الرواية. كما وظف المبدع العديد من الأحداث التاريخية في تاريخ العلاقة بين المغرب وفرنسا لبناء عمله الروائي.

رشيد نجيب، باحث في الثقافة الأمازيغية