قراءة في المجموعة القصصية الجديدة "أدرنيق ن وايور" لمحمد أوسوس

بمجموعته القصصية الجديدة " أدرنيق ن وايور" التي أصدرها مؤخرا الباحث و القاص محمد أوسوس يكون الفن والادب القصصي الامازيغي بمنطقة سوس قد أسس لمدرسة أدبية وفنية تعتمد على التراث الحكائي في كتابة القصة الادبية وتمثل القضايا الراهنة بطرق وأساليب فنية تستغل التراث والارث الثقافي والحكائي بما فيه من رموز و شخصيات  حكائية ليجعل الاشكال الفنية الحكائية في التراث الامازيغي قادرة على احتضان النص القصصي الحديث بصورة تِؤصل لهذا النوع الادبي و الفني في الادب الامازيغي المكتوب.

ابتدأت هذه الطريقة الفنية عند الكاتب في مجموعته القصصية الاولى بعنوان "أيت ئقجدر د ؤخساي" الصادرة سنة 2010، والتي حاول فيها الكاتب توظيف تقنية الحكاية الامازيغية كطريقة فنية لتأصيل القصة الفنية في الادب الامازيغي كفن عالمي تطور كفن أدبي لم يأخذ شكله الفني المستقل الا في القرن التاسع عشر بروسيا و اوروبا و وأمريكا. و بدأ بدوره في طور التجريب والبحث عن التأصيل في الادب الامازيغي، على يد ثلة من القصاصين أبانوا عن مستوى فني كبير في كتابة القصة الامازيغة مستفيدين من تجاربهم بلغات أخرى ومن انفتاحهم على الثقافات العالمية أمثال فؤاد ازروال و محمد اوسوس وسعيد بلغربي والحسن زهور و عبد الله صبري و غيرهم مما لا يتسع هذا المقال لذكرهم. ورغم قصر المدة التي عرفته كتابة هذا النوع الادبي فإنه استطاع أن يؤسس لمجموعة من التجارب القصصية الرائدة ولبروز أسماء قصصية بدأت تفرض انتاجها على الساحة الثقافية المغربية، حيث بلغت التجارب القصصية في سوس 26 مجموعة قصصية في ظرف و جيز.

هذه الفورة في المجال القصصي كان من المحتم منها أن تؤدي الى بروز اتجاهات أدبية ومسارات ابداعية تستقي معينها و خلفيتها الفكرية و الادبية من المدارس و الاتجاهات الادبية السائدة عالميا،و تنهل من هذه المدارس الادبية العالمية سواء القديمة منها( القديمة أي الكلاسيكية و الرومانسية بمقياس المدارس المعاصرة لنا حاليا)  أو الحديثة .

و تأتي هذه المجموعة الجديدة للقاص محمد أسوس لتؤسس لتجربة فنية متميزة تعتمد على الارث الثراثي و الادبي الامازيغي موظفا أشكاله الفنية في المجال الحكائي ومشتغلا على الرموز الثقافية في الفن الحكائي بطريقة تجعل المعيشي بإشكالاته و مشاكله يلبس لبوس التراث كطريقة فنية تتغيى تأصيل الفن القصصي الحديث في الادب الامازيغي المعاصر والحديث، و هو ما يدفعنا الى تصنيف هذه التجربة الفنية ضمن المدرسة التراثية التي تتناول قضايا الانسان الامازيغي في علاقاته مع لغته و أرضه و في علاقاته مع غيره و مع عنف السلطة المادي والمعنوي، بطرق فنية تستمد من التراث أشكالها في البناء الفني وفي توظيف رموزه الثقافية لمقاربة الاشكالات و القضايا المعاصرة لهذا الانسان.

تتضمن المجموعة الجديدة 22 قصة، تتعدد أمكنتها في إطار فضائي مرتبط بالبادية المغربية، وتتعدد القضايا التي تتناولها سواء الاخلاقية أو السياسية أو الاجتماعية أو التربوية..

ففي القصة الاولى " أدرنيق ن وايور"، ومنها اتخذت المجموعة عنوانا لها، يرتبط الحدث بانزلاق بطل القصة نحو مستنقع الاختلاس والرشوة التي تأنف منها الاخلاق الامازيغية، لكن البطل و هو في السجن، يحاول تبرير سقطته بدافع الحاجة الى انقاذ زوجته من الموت، فجاءت القصة فنيا على شكل رسالة يرسلها الاب المكلوم في شرفه لابنه يطلب فيها أن يتفهم الابن هذا العمل الشنيع حسب الاعراف الامازيغية، موظفا في ذلك اسطورة البقع السوداء التي تغطي وجه القمر في الثقافة الامازيغية.

في القصة الثالثة " تاسليت ن ؤنزار " يتساءل الطفل عن سر قوس قزح، فتأتي الاجابات متنوعة بتنوع زاوية النظر والخلفية الفكرية للمجيب، فعند الاب ترتبط " تيسليت ن ؤنزار"  بالأرض وبدورة الحياة، خصب و حياة فقحط و موت لتنبعث الحياة من جديد و هكذا، و عند الام هي ظاهرة اسطورية ترتبط بمفهوم العطاء و الجمال ف" تاسليت ن ؤنزار " هي التي منحت للطيور ألوانها و للحياة بهرجتها، وعند استاذ التربية الاسلامية هي رمز للخداع البصري و للأوهام وهي بذلك شبيهة بهذه الدنيا الزائفة أمام حقيقة أخرى مطلقة، وعند أستاذ العلوم هي ظاهرة طبيعية  تنتج عن تحلل اشعة الشمس خلال قطرة ماء المطر، أما عند الجدة التي تذكرها الطفل من خلال حكاياتها فهي دلالة على التنوع اللغوي وعلى تنوع الافكار و الالوان مما يعطي لهذه الحياة نكهتها و تميزها.

في القصة الثامنة " أشنيار ن تروفين " و هي القصة الطويلة في المجموعة و التي تأخذ حيزا كبيرا مقارنة مع القصص الأخرى تتخذ موضوعها القمع السياسي الذي شهده البلد في مرحلة تاريخية ليست بالبعيدة، حاول فيها الكاتب تصويره في صورة كاريكاتورية تظهر رجال السلطة المتعطشين للقمع والقهر في مستوى من البلادة المضحكة، فيسقطون في مواقف مضحكة تنم عن الغباء بسبب جهلهم للغة و ثقافة البلد، حيث وظف الكاتب في القصة رموزا و شخصيات من الادب الحكائي يحسبها رجل السلطة شخصيات و اقعية خطيرة تمس بالأمن العام للبلد.

فأغلب النصوص في هذه المجموعة القصصية تمتح مواضيعها من القضايا الاجتماعية و التربوية و السياسية و من الاشكالات الثقافية و الهوياتية و الفكرية المختلفة التي ترتبط بالإنسان الامازيغي في واقعه اليومي و في وجوده، بدءا بالطفل في علاقته الثقافية بواقعه كما طرحته القصة الثانية " لالا تافوكت"، و بالشاب غير المتمثل للرموز الثقافية التي أدى عدم تمثلها و فهمها الدلالي الى قتل عمه، كما في القصة العاشرة " تازيت ن وانغا"، و بالسلطة السياسية الغريبة عن فهم الممارسات و الاشكال الثقافية الامازيغية بما فيها اللغة و تعبر عنها القصة التاسعة " تيكردلاسين ن تابا ئطو" والقصة الثامنة " اشنيار ن تروفين "، و بالقمع والنظرة الاحتقارية للإنسان الامازيغي التي يلقى مصيره قتلا بسبب تحديه لسلطة القائد كما في قصة " أصيض".. و انتهاء بالتحرر من عقدة الخوف التي زرعته السلطة السياسية كما في القصة الاخيرة "أواف ن تزيكي ".

على المستوى الشكلي و الفني للمجموعة القصصية، أضافت اللغة الادبية والفنية ذات المستوى العالي التي كتبت بها هذه النصوص القصصية مستوى فنيا يرقى، الى جانب توظيف الكاتب للطرق الفنية التي تستمد نسيجها ومكوناتها الدلالية والرمزية من التراث الحكائي و الثقافي الامازيغي، بهذه النصوص الابداعية درجة فنية متميزة يدخل الفن القصصي الامازيغي (الى جانب ابداعات القصاصين الاخرين) مرحلة الانتقال من التجريب الى التأصيل في مدة زمنية قصيرة جدا مقارنة بالمدة الزمنية التي تم فيها تأصيل مثل هذا النوع الادبي في آداب بعض الشعوب التي لها تاريخ  في الكتابة.  

الى جانب هذا المستوى الفني واللغوي تتنوع المجموعة بين النصوص القصصية القصيرة( 14 نصا) ، والطويلة ( نص واحد)، وبين النصوص القصيرة جدا (سبعة نصوص) والتي تتأرجح بعض النصوص فيها بين سبعة اسطر كالنص القصصي " ؤدم ئتياكارن"، وبين عشرة أسطر كنصي " تازيت ن وانغا" و "تيسيت"، والأربعة الباقية لا يتجاوز النص فيها صفحة واحدة.

                                                                       الحسن زهور

adrniq