السيرة الشعرية للأنثى الأمازيغية
قراءة نقدية لديوان "تينو " للشاعر المغربي محمد واكرار


         يبتسم الشاعر برهبة ملائكية، ويعيد ترتيب ملامحه، وتقشير ليمونة الوقت بدهشة الأطفال، وهو ينتشي بخطوات واثقة في إخراج ديوانه الشعري الجديد إلى حيز الوجود، وقد اختار له عنوانا يشي ببساطة مبطنة وخفة مثل نسيم الصباح، ويتعلق الأمر بعنوان (تينو) بغلاف يميل إلى اللون الأصفر وبصفحات سلسة وأنيقة تعبق برائحة الأنثى.
وحين تبحر في الديوان، تنتابك متعة صادمة لأنك تصادف في طريقك نصوصا شعرية شفافة، بعناوين تشكيلية جذابة هي عبارة عن صور لأجساد عارية، في تموضعات إيروتيكية، تؤشر على وجود نصين شعريين طويلين، مجزئين إلى مقاطع هي بمثابة أنفاس شعرية، وهي لعبة ذكية انتهجها الشاعر لكي لا يحس المتلقي بصعوبة التنفس، وأن لا يسقط في شراك الرتابة، لأن الديوان في حقيقة الأمر هو قصيدة شعرية واحدة أو بالأحرى هي احتمالات فادحة لسيرة الشاعر الذاتية.
       والنصين الشعريين هما بمثابة سمفونية شفافة، تعطي للقارئ انطباعات أولية بأنهما من صنف قصيدة النثر، التي ترصد مشاهد خاطفة لحياة راحلة في ثنايا الجسد، وفي مساحة شظايا ذات حزينة، تخاطب بحس مرهف الأنثى الأمازيغية، وهي تحتفي بقيم الجمال وبطقوس العشق والحرية،استطاع الشاعر من خلا هذه الطقوس أن يصمم لهذه الأنثى الأمازيغية بمهارة سلسة أعشاشا دافئة ليرتاح في أحضانها من رعب اليومي، وشراسة العزلة، إنها جزء من ذات الشاعر المتخفية خلف خداع اللغة ووهج الصور الإيروتيكية التي تصعد من جسد الأنثى ومن علاقتها بالماء والأرض ونار الشهوة التي تخرج من عيون الأنثى التي أبدع الشاعر في رصد لوحات تشكيلية صادمة للنظرة التي تربك بها المرأة الأمازيغية قشرة الأرض وتذيب بها ثلوجا تسيل من عزلة الشاعر ومن جحيم الضجر الذي يؤثت خطواته.
     إنه شاعر أحدث زلزالا لغويا في المشهد الشعري الأمازيغي، وأنجز مسافة ذهنية وجمالية عن الموروث التقليدي الأمازيغي،وطور شكل وبنية القصيدة ،التي انبثقت أصولها الجمالية والمعرفية من أسايس، ومن بقايا صور و ومجازات الشاعر الراحل حمو الطالب، ويحق لنا أن نعتبر وبكل موضوعية بأن محمد واكرار أضاف مآثر جديدة لمعمارية القصيدة الأمازيغية، وأدخلها مثلها مثل سلالات الشعر الأخرى الموجودة في بقاع العالم، إلى متاهات قصيدة النثر، بكل التباساتها وجمالياتها، سواء على مستوى اللغة، والتصور للعالم وتشظي كينونة الشاعر، وانتماءه الصعب إلى اللحظة الراهنة، بكل انتصاراتها وهزائمها في أثون الذاكرة، وكشوفات المخيلة .
و يغلب على نصوص الشاعر الطابع الرومانسي في شكل خيوط غنائية متناغمة، تخاطب فيك سرية الحواس، وهي تحتفي بكبريائها، كي تضفي في المحصلة النهائية على النثر شعاعا شبقيا، يرمم بقايا زجاج بلوري، سقط من فتنة القراءة.
الديوان الحديث العهد للشاعر الأمازيغي محمد واكرار،هو بمثابة الكتاب الشعري الذي قطع فيه حبل السرة مع الدواوين السابقة شكلا ومضمونا، وأنجز فيه معالم حياة مترعة بالسحر والنشوة، إذ حقق فيه تزاوجا دراميا بين سحر المرأة ونشوة الكلمات،وضيع من خلاله ثروة باذخة من الزمن النفسي والوجودي، لينسج هوية بصرية وأنطولوجية لجسد المرأة الأمازيغية، ولتفاحة مفاتنها، ولبحيرة انفعالاتها والتباساتها، وهي المفاتن والجسد والانفعالات ذاتها التي تلازم خيالات الشاعر، وأهواءه، ومصائره التي تسري في مجاري ووديان نصوصه الشعرية.
ولن تصيبك الفجاءة أو قشعريرة الشهوة، وأنت تتسلى بتضاريس الجسد، وبطقوس الاحتفاء بالأنثى الأمازيغية، حين تتجول في حضرة نصوص الشاعر محمد واكرار، وهو الشاعر الأمازيغي الذي خبر متاهات اللغة الأمازيغية، وفتت معجمها لبناء دلالات جديدة، وأبدع اشتقاقات لغوية متجددة، من خلال اشتغاله بحدس شعري سامق على تنويعات متسقة لنظرة الحبيبة التي يتحسس من خلالها الشاعر جاذبية المرأة وحضورها الفجائي ولم لا العجائبي في الحياة اليومية، هذه النظرة التي تنبت وتزهر في عيون الشاعر مرة أزهارا بألوان جميلة ومرة تزهر شتاء وعواصف عاتية، ومرة يحمل الشاعر عيون أنتاه الأمازيغية، ليضيء بهما عتمات روحه، أو يشحذ شتاءه أو عواصفه في عيون محبوبته (نككين ء تينو راد تتممنتراغ ءانزار ءينو غ ء يزريننونت .......ء يزيلليض ء ينو غ ء يزريننونت، ص:46) وفي الحالات القصوى من الغياب يحفر الشاعر عميقا في أناه الصوفية ليضفي على النظرة نشوة خمرية يصل من خلالها إلى تحقيق لحظة صدق في التماهي مع مشاعر الحب التي يبديها الشاعر اتجاه (تينو) /الحبيبة،وتتجلى هذه الصور في الأبيات الشعرية التالية والموسومة ب:
ء يزري نم ء ا لالا
Izri nm, a lalla
ءيزيمض
Izmmd
س تايري
S tayri
ءيسوا
Iswa
ء ا يليغ ء يكا ء اققا
Aylliy iga aqqa
ء ا ر ت ي تاككا
Ar t –i takka
تا ما ء ي تاييا (ص:34 )
Tama i tayya

ءيكد سيتي ء يزري نونت
Ig d siti izri nnunt
تيمارغين (صفحة: 16 )
Timarghin
ء يغد ء يفساسا
Igh d ifsasa
ء يزري نونت
Izri nnunt
ء ا رتتككا
Ar attgga
زوند
Zund
تييتي ن والون
Tiyyiti n wallun
د يغ ءار
D igh ar
ء يتنونني ء ودينان (ص:29 )
Ittnunni udinan
ء يزرينم ء ا لالا
Izri nm a lalla
ء يكا ء يماسن
Iga imassn
ء يخالض كيكي
Ixald gigi
تالكانات
Talganat
ياوينن
Yawi nn
تيويزي
Tiwizi
غ ء و كدال نس (ص30 و31)
Gh ug dal nes (page30 31)
ء يزرينم ء ا لالا
Izrinm a lalla
ء يسيس س و فولكي
Isis s ufulki
ء ا ر يسسودوم
Ar issudum
س تركين ن تاضفي
S trgin n tadfi
ء يكلي تنتيد
Igli tnt id
ء و ندكك ء يك (ص 33)
Undgg ig
ها تيد
Ha t id
ء يغ ء يرككيك
Igh irggig
ء يزري نونت
Izri nnunt
هاكمينن
Ha km inn
توديرت ء ا سنت
Tudrt asnt
ء ار ء اكال ( ص:36)
Ar akal (page36)
يوزن ء ييي د تاكوت
Yuzn iyi d tagut
ء ي زري نونت ( ص:41)
Izri nnunt
نككين ء ا تينو
Nkkin a tinu
ر ا د تتمنتراغ
Rad ttmmntragh
ء ا ن زار ء ينو
Anzar inu
غ ء يزري نونت
Gh izri nnunt
ء يزيلليد ء ينو
Izillid inu
غ ء يزري ننونت (ص :46)
Gh izri nnunt

يمكن القول إن الشاعر محمد واكرار طور أدواته الشعرية، وخلق انزياحات لغوية، أحدثت هوة رمزية وجمالية بين اللغة اليومية واللغة الشعرية، وتعامل مع موضوعة الأنثى تعاملا نوعيا قطع فيه الصلة مع النظرة التقليدية للأنثى التي كان ينظر بها الشعراء التقليديون الأمازيغيون وكذلك الشعراء الروايس إلى الأنثى،(والذين تفننوا بمنح أوصاف للمرأة الأمازيغية من قبيل : الوعل والغزال والطائر الأبيض والورود ....) فقد تميز الشاعر عن هؤلاء بالنظر إلى الأنوثة باعتبارها قيمة عليا ولا نقول إلى المرأة لأن علينا التمييز بين اللفظتين كقيمتين مختلفتين، ويبدو جليا أن النصين الشعريين الموسومين ب( تينو) و( واز) يمثلان تحولا لغويا جديدا في لغة الحب إذ أنهما تخلتا عن الموروث النفسي والبلاغي والشعري
ونستطيع أن نقول بأن الشاعر محمد واكرار من خلال نصيه الشعريين قد تخلص بشعرية فائقة من لغة الغزل التقليدية التي تتوقف عند جسد المرأة وجزئياتها، وتأثير عيونها، وطولها، وقدها، ، لتعيد إلى الأنوثة سلطتها، التي نعتقد أن محمد واكرار يراها هي السلطة الأصلية للحياة والجمال.
وبذلك فالشاعر لا يدخل إلى نصّه مدجّجاً بالموروث القديم والمعاصر، إنما يدخل إليه وفي جعبته اعتبارات أخرى وفلسفات جديدة، تنظر إلى المرأة في أحد تحوّلاتها ، لذلك لا نراه يرتاد لغة الغزل التقليدية، إنما يدخل لغة الاحتفاء، والإنشاد، والطقس، التي تحتفي بالأنوثة، وترصد تحوّلاتها، وبذلك استحقّت القصيدة ريادةً جديدةً على صعيد اللغة الشعرية، وعلى صعيد التجربة الشعرية في نظرتها إلى الأنوثة.
وهنا من الضروري الإشارة إلى أننا نستخدم كلمة «الأنوثة» بدلاً من كلمة «المرأة»، كي نبتعد عن الدلالات الاجتماعية، وندخل في الدلالة الفنية الجمالية، ناهيك بأن النصّ الذي بين أيدينا همّه الجوهر الأنثوي المطلق، لا المرأة بالمعنى الحسّي المشخص، وبذلك تصبح الأنوثة قيمة عليا في النصّ، وإن انطلقت من معطيات حسّية، أو واقعية، للوصول إلى أنوثة استعارية، نحسها ولا ندركها، نطاردها، ولن نصل إليها، إنها رصد موضوعي للمأمول والمشتهى في الذات الشاعرة، من هنا لا غرابة في أن تبرز اللغة الإنشادية الاحتفائية التي تحتفي بالأنثويّ ، وتمجّده.
وتبدو ملامح الاحتفاء بالأنثى كطقس احتفالي، يعيد من خلاله الشاعر محمد واكرار، استحضار الذاكرة الأمازيغية، التي لا تستسلم للبكاء أو الانغلاق على الذات، كما يستحضر التراث لإعادة النظر فيه وقراءته بصورة ومخيلة جديدتين، وهي في حقيقة الأمر ليست حنينا بلاغيا لأسلوب مضى، بل أسئلة فيه وقراءته بصورة ومخيلة جديدتين، وتبدو ملامح هذه الصور من خلال المقطع الموسوم ب:
نكين ء ا تينو
Nkkin , a tinu
راد ء ا سن زوورغ
Rad asn zwurgh
ء ي آيت بلغينجا
I ayt bllgh inja
راد ء ا سن كغ ء ا برراح
Rad asn gh abrrah
ء ا ر ككاتغ تاكنزا
Ar kkatgh tagnza
رانن ء ا رمغ كانكا
Ra nn armgh ganga
راد سسودوغ ء يسيض
Rad ssudugh isid
ن تاضضينكا
N taddinga
نككين ء ا تينو
Nkkin a tinu
راد تتمنتراغ
Rad ttmmntray
ء ا نزار ء ينو
Anzar inu
غ ء يزري نونت(ص :46)
Gh izri nnunt
أهمّ ما يبرز على صعيد التقنيات الأسلوبية المؤسسة للنصّين الشعريين، هي تقنية التكرار، التي تكاد تكون التقنية الأساسية، وقد خدمت هذه التقنية النصّين من ناحيتين: الأولى ناحية إيقاعية ، والثانية تتعلّق بتصعيد الدلالة في النصّ، وأنواع التكرار في النصّ هي:
- تكرار ضمير الأنوثة (نتات /هي،كمي/أنت، كني/أنتن) ، ليكتسب وهج البداية، وليكون مركز الدلالة الذي تشعّ منه، وتتفرّع عنه: «ءاسيامت ء ا تينو،ء ا رامت ييد ء اتاي، ء ا يليغيي د كيم مدنت تدمارين، واساد نم ء يكا واز».
- تكرار صيغة، أو عبارة: وهنا كانت الدلالة الإيقاعية ، وهذه برزت في صيغ التعبير التأكيدية، الذي يمتاز عادة بمثل هذه الأسلوبية، إن لم نقل إنه قائم عليها أصلاً: «تامغ نن/ءايليغ نن تامغ/ءا تينو/تامغ نن/ءايليغ نن تامغ/غ ء وكدرور/ءازنبو/د واليم/ء ا رنن ء يلمما /تغاوالغ/ء ارنن تتغاوالغ/ءايليغ ءيي د كيم/كدينت تدمارين، ف ء و مكيرض ينو،ءا باياي ء امت ء ا تينو، مكاد ء يفولكي واسادنم .....».
- التكرار اللفظي: وهذا النمط يقوم على تكرار اللفظة ذاتها، عبر جعلها نواة دلالية، ثم إردافها بصياغات ،«تاكاليت/تينو/واز/ءانزكوم/ءيمندي/ءامكرض/ءيزرينم/ شعرية، وانزياحات لغوية تمنحها ألقاً « الميزة هنا، عند الشاعر محمد واكرار، هي عدم اكتفائه بهذا النمط فقط، بل تنويعه في أساليب التكرار، وهذا ما جعل من التكرار عنصراً بنائياً مساعداً على تصعيد الدلالة في النصّ عبر الارتكاز على فعل نواة، ثم تنويع الدلالات المتشكّلة معه.
فالتكرار كذلك يوظفه الشاعرمن خلال لفظة ( تينو) في سياق تأكيد سيطرة الأنوثة على الذات الشاعرة، وفي سياق تأكيد الانصياع لتلك السيطرة الجميلة، وبذلك فلفظة (تينو ) تشكل البؤرة الدلالية التي ستشعّ منها دلالات ثنائية،فالشاعر يخاطبها ليلقي فوق صدرها ظلال متاعبه ، وغبار الألم :(رميغ ء امت ء ا تينو/غاد ن ترفوفنت/ماش ككولغ/ءارد فروغ/تيد ن تاوتلت نم/ ء اد نسلي ء الالا/ غاد ن تورتيتينو....) .
تكرار صيغة فعلية متنوّعة: وهنا لا يكرّر الشاعر الفعل نفسه، وإنما يكرّر الصيغة الفعلية الصرفية، وقد سيطر على هذا النمط التكراري نمط تكرار فعل الأمر بصيغ متنوعة، والحقّ أن هذا النوع من التكرار، مع النوع السابق، هما المسيطران على أسلوبية النصّ مع الإشارة إلى أنّ هذا النمط (تكرار صيغة فعلية متنوّعة) يمتلك قدرات إيحائية أكبر من النمط السابق، لأنه لا يعتمد تكرار الكلمة ذاتها، وإنما ينوّع في الصيغ الفعلية، وبذلك يثري دلالات السياق الذي ورد فيه، كما نجد في قوله: «(ءاسيامت ءا تينو/ءيمندي/ءاسيامت ءاكال/زغ ءيسلم ءار ءوداد/ءاسيامت ءامان/ءاسيامت ءاكال/ءاججامت ءيييد/ءاوال،......».
فقد كرّر فعل الأمر بصيغه المتنوّعة في المقطع السابق،، وقد تمثّل الغنى الدلالي في تكرار هذه الصيغة من خلال إسناد فعل الأمر - مركز الدلالة - إلى أشياء لا يرد معها في العادة، أو توظيفه في طلب أشياء مستحيلة التحقق واقعياً، مقبولة حلمياً. من هنا نلحظ إسناد الفعل «اغرس» إلى الحبيبة، في محاولة مستميتة لإضفاء البقاء الدائم للحبيبة، فالغرس هو فعل حياة، ويأتي تكرار الصيغة الأمرية دالاً على أجواء أسطورية مشتهاة يتمنّاها الشاعر لأنثاه، وهذه تضفي على صيغة الأمر لطافة مستحبّة تخفف من وطأة تكراره، وتغذّيه بنسغ دلاليّ مستفزّ بإيحاءته وتخيّلاته.
ليست الأنثى إلا ذريعة شعرية، استعملها الشاعر محمد واكرار لاستحضار مشاهد حيوات عابرة أحرقها بأعواد كبريت اللذة التي تتساقط من جسد الأنثى، ونثر غبارها في صحار أمزجته الحادة، ولقد
أوحت إليه طقوس الاحتفاء بالأنثى الأمازيغية، إلى الدخول إلى ذاته واستحضار بعض الجوانب العصية على الفهم فيها، والتي سرعان ما تتحول في مجاري نصوصه الشعرية إلى زبد البحر يسيل من أصابع اللذة، كلما اشتدت حرارة الشعر، وتفاقمت غرائز الأمكنة المخبولة، التي ترتبط بسيرة الشاعر الذاتية، مثلما يرتبط طفل صغير بقواقع البحر الفارغة .
لقد أذكت الأنثى في نفسية الشاعر الاحتفاء بقيم المحبة والإنسانية والحرية، وعمقت من فداحة التناقضات التي صنعت كثيرا من مآثر الذات ومهاويها السحيقة، والتي تستعيد سيرة الشاعر المفتون بالأسئلة والهواجس، حين يجلس إلى مائدته ،وإلى حدوسه، في الأمكنة الغرائبية التي يجلس فيها وهي أسئلة من قبيل : أيهما يسبقه إلى ذات الأمكنة هل طيف الشعر المثقل بالخيبات، والانكسارات ،أم طيف المرأة الذي يجر تلابيب مصائر غامضة، ولن يكون في آخر المطاف سوى قسمات الطيف الذي يحتل بجاذبية ناضجة صفحات نصوص محمد واكرارالشعرية ؟
يتخاصم مع الأمكنة التي تطارده في كل مكان :مثلما يتخاصم مع كلماته وعلب سجائره ومحفظته السوداء التي يتأبطها في الطريق الصعبة التي تقوده إلى مسكنه الشعري، طريق ملتوية لا تسلكها إلا خطوات الشاعر محمد واكرار، والتي تحمل في ثناياها سراب الحنين وحبات يطعم بها أسماكا تؤتت عزلته التي تهرب منه باستمرار.
مثلما تهرب منه الأنثى الأمازيغية، التي أفرد لها جزءا كبيرا من صفحات ديوانه الجديد، ليخلق معها تواطئا ورقيا تفوح منه تجارب الشاعر مع اللغة الشعرية، ومع الاستعارات ،التي أبدع في اقتناصها، وهو يرسم صورة المرأة تارة، أو وهو يخاطب حدوسها ومفاتنها، أو حين يفلت منه عقال الوصف، فيعود إلى ذاته، ليلتمس منها الملاذ من هذه العلاقة الملتبسة، التي تربط الشاعر بالمرأة، والتي تشكل بالنسبة إليه مرادفا لعزلته الباذخة، ولتشكيلات مجازية تعيد قوة الإيحاء للغة الأمازيغية، وتملأ هذا الكيان بأنوثة سلسة عصية على الاحتواء .
هكذا يدخل الشاعر إلى بوابة لغته الشعرية بواسطة جسد الأنثى، متاعب كثيرة في الطريق وتناقضات مريرة يتجرعها الشاعر حين تختلس كبرياءه ملامح نثر أسود، وفصول ملهبة من سيرته الذاتية.
وحده الشاعر محمد واكرار يعرف أسرار الأنثى الأمازيغية، وهو يعرف بنفس المرارة، أن فضح هذه الأسرار سيقوده إلى موت محقق، أو إلى ركوب تجربة شعرية مغايرة، تدفع الشعر الأمازيغي إلى حافة الجنون، وفي جنون اللغة الأمازيغية توجد أزهار الحرية، وحياة أخرى تنتظر خارج النافذة .

عز الدين الخراط